نقد و بررسی
نقد Hurry Sundown | 1967
وعده ژانری؛ آنچه اثر وعده میدهد
ملودرامی جنوبی در آستانهٔ التحول يضع فيلم «Hurry Sundown» أبطاله في جورجيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تتشابك ملكية الأرض مع الطموح الاقتصادي والتراتبية العرقية والروابط العائلية. يسعى هنري وارن، الرجل الانتهازي الذي يؤديه مايكل كين، إلى ضم أراضٍ متجاورة لإتمام صفقة تجارية واسعة؛ لكن راد ماكدويل، قريبه الأبيض، وريفي سكوت، المزارع الأسود، يرفضان البيع.
ومن هذا النزاع المحدد تنطلق حبكة تتسع لتشمل زواجًا مضطربًا، وأحكامًا مسبقة راسخة، ونزاعًا على العدالة، ثم كارثة طبيعية تعيد ترتيب مصائر الشخصيات. أخرج أوتو بريمينغر الفيلم، الذي يستند إلى رواية تحمل الاسم نفسه، ويضم طاقمًا لافتًا يشارك فيه جين فوندا وفاي داناواي وديان كارول وروبرت هوكس، إلى جانب كين.
غير أن اجتماع هذه الأسماء لا يضمن انسجامًا دراميًا؛ فالفيلم يطمح إلى أن يكون ملحمة اجتماعية، وميلودراما عائلية، وحكاية عنصرية سياسية في آن واحد، ولا ينجح دائمًا في جمع هذه المسارات داخل نبرة واحدة. الأرض بوصفها مركز الصراع ليست الأرض في الفيلم مجرد ملكية قابلة للبيع، بل أساس للاستقلال والذاكرة والقدرة على تقرير المصير.
يراها هنري موردًا ينبغي تحويله إلى منفعة، فيما تمثل لراد وريفي بيتًا ومصدر رزق وامتدادًا لحياة لا يريدان التنازل عنها. لذلك يصبح رفضهما البيع فعل مقاومة، حتى قبل أن يتحول إلى تحالف صريح في مواجهة نفوذ هنري. تكمن قوة الفكرة في أن الصراع لا ينقسم ببساطة إلى طيبين وأشرار على مستوى المصالح وحدها.
« لذلك يصبح رفضهما البيع فعل مقاومة، حتى قبل أن يتحول إلى تحالف صريح في مواجهة نفوذ هنري. »
روایت و ریتم؛ جریان داستان
فالموقع الاجتماعي والعرق يحددان مقدار ما يستطيع كل شخص الدفاع عنه، كما أن القوانين والمؤسسات المحلية ليست محايدة بالضرورة. وحين يحاول هنري استثمار التعصب القائم لتقويض خصومه، يكشف الفيلم كيف يتآزر الجشع الخاص مع بنية اجتماعية تتيح له أن يبدو مشروعًا أو مقبولًا. لكن الفيلم يشرح هذا المعنى أكثر مما يجسده أحيانًا.
فالفكرة المركزية واضحة منذ وقت مبكر، ومع ذلك يستغرق السرد طويلًا في تثبيت المواجهة وإعادة تأكيد مواقف الشخصيات. ومن ثمّ، لا تتطور كل مشاهد الأرض والملكية إلى كشف جديد؛ بعضها يكرّر ما سبق أن فهمه المشاهد. شخصيات كثيرة وحياة متشابكة أحد أكثر جوانب الفيلم إثارة للاهتمام هو اتساع شبكة الشخصيات.
فإلى جانب هنري وراد وريفي، يتوزع السرد بين جولي آن، زوجة هنري، ولو ماكدويل، ومدرّسة القرية فيفيان ثيرلو، وشخصيات محلية تمثل القانون والسلطة والعرف الاجتماعي. هذا التعدد يمنح العمل ملمسًا اجتماعيًا؛ فالأزمة لا تقع في فراغ، بل داخل بلدة تتبادل فيها العائلات الأخبار والمصالح والخصومات.
جولي آن شخصية قابلة للتأويل لأنها تقف بين امتيازها الموروث وعلاقتها بزوجها، وبين ما تراه من ظلم وما تقبله حين يخدم مصلحتها. أما لو فتمنح العالم العائلي بُعدًا أكثر حميمية، إذ يجعلها ارتباطها براد وأطفالها معنية مباشرة بتبعات الصراع. وفي المقابل، تحمل فيفيان جانبًا مهمًا من البحث عن الحقيقة وإثبات الحقوق، لكن الفيلم لا يمنحها دومًا المساحة الكافية لتتجاوز دورها الوظيفي في الحبكة.
« لكن الفيلم يشرح هذا المعنى أكثر مما يجسده أحيانًا. »
شخصیتها و اجرا
تنتج هذه الكثرة أحيانًا حيوية مسلية: فكل شخصية تدخل المشهد ومعها رغبة أو ضغينة أو سرّ، ويجد المتفرج نفسه أمام خليط من التوترات الخاصة والعامة. إلا أن كثرة الخيوط لا تتحول دائمًا إلى عمق؛ بعض العلاقات تبدو كأنها وُضعت كي تضيف أزمة أخرى، لا كي تتطور على نحو عضوي. العرق والتمثيل: طموح تصطدم به حدود رؤيته يريد الفيلم أن يطرح سؤالًا جريئًا بالنسبة إلى سياقه: هل يستطيع الفقراء البيض والسود تجاوز العداء الذي يغذيه أصحاب النفوذ، والوقوف معًا دفاعًا عن الأرض والكرامة؟
هذا السؤال يمنح التحالف بين راد وريفي ثقله، ويجعل من القضية أكثر من نزاع على حدود قطع زراعية. إنهما يكتشفان أن اختلاف موقعهما لا يلغي تشابه حاجتهما إلى الأمان والاستقلال. لكن النية النقدية لا تكفي لضمان تمثيل منصف. ففي بعض المواضع، يقترب الفيلم من صور نمطية مألوفة، ولا سيما حين تُقدَّم الشخصيات السوداء بوصفها رموزًا أخلاقية أو ضحايا صبورين أكثر من كونها أفرادًا متنوعي الطباع والرغبات.
وقد أشار نقاد إلى أن معالجة بريمينغر تبدو متأخرة عن تعقيد اللحظة السياسية التي أرادت مخاطبتها، وأن الفيلم يخلط بين مناهضة العنصرية وبين أدوات ميلودرامية تقليدية لا تفكك تلك الصور فعلًا. هذا التوتر هو أحد أسباب غرابة العمل: فهو يريد فضح الظلم، لكنه يستعير أحيانًا لغة بصرية ودرامية تجعل بعض ضحاياه أقرب إلى علامات في حجة أخلاقية.
لذلك لا تُقاس قيمة الفيلم بجرأة موضوعه وحدها، بل أيضًا بما يعجز عن رؤيته في طريقة عرضه. الأداء واللهجة: أسماء كبيرة ونبرات غير متجانسة يستفيد الفيلم من جاذبية طاقمه، لكنه لا يحقق انسجامًا تمثيليًا ثابتًا. تبدو جين فوندا قادرة على إضفاء اضطراب داخلي على جولي آن، حتى حين يترك السيناريو دوافعها متأرجحة بين التمرد والامتياز.
« هذا السؤال يمنح التحالف بين راد وريفي ثقله، ويجعل من القضية أكثر من نزاع على حدود قطع زراعية. »
فضا و فرم؛ لحن بصری
كما تمنح فاي داناواي حضورًا لافتًا في بدايات مسيرتها السينمائية، فيما يضيف روبرت هوكس قدرًا من الهدوء إلى ريفي، وتوفر ديان كارول حضورًا متزنًا لشخصية فيفيان. أما مايكل كين، فيؤدي هنري بوصفه رجلًا يعرف كيف يخفي مصلحته وراء واجهة الاحترام. يمكن أن يكون هذا الجانب مقنعًا؛ فهنري ليس شريرًا خارقًا، بل شخصًا يستخدم اللغة الاجتماعية المقبولة لتبرير طموحه.
غير أن لهجته الجنوبية تبدو مصطنعة لكثير من المشاهدين، وتخلق مسافة بين الشخصية وأدائها. كذلك لا ينجح جون فيليب لو دائمًا في تحويل راد إلى حضور درامي بالقوة التي يتطلبها مركزه في الصراع. والأهم أن التفاوت بين الممثلين ينعكس على إيقاع المشاهد. ففي لحظات يُفترض أن تكون مشحونة بالخطر، تبدو المواجهة ساكنة أكثر من اللازم، كأن الشخصيات تنتظر أن يعلن السيناريو عنها بدل أن تدفع الحدث بالفعل والانفعال.
إيقاع مترهّل وميلودراما متضخمة يمتد الفيلم قرابة ساعتين وست وعشرين دقيقة، وهي مدة تمنحه مجالًا لبناء عالم واسع، لكنها تكشف أيضًا مشكلة أساسية في تنظيمه. فالأحداث تتقدم ببطء، وكثيرًا ما تُعاد المواجهات في صيغ متقاربة من دون أن يتغير ميزان القوى بينها بما يكفي. النتيجة أن زمن الفيلم يبدو أطول من حاجته، وأن التوتر يتراكم على الورق أكثر مما يتصاعد أمام العين.
مع ذلك، لا يخلو البطء من وظيفة. فالمكان نفسه يبدو عالقًا في عادات قديمة، والخصومة لا تنفجر فورًا لأن الخوف والاعتماد الاقتصادي والضغط الاجتماعي يقيّدون الشخصيات. غير أن الفيلم لا يحوّل هذا التريث باستمرار إلى تأمل بصري أو نفسي؛ في فترات كثيرة، يصبح مجرد انتظار للمشهد التالي. وتزيد الميلودراما من هذا التفاوت.
« أما مايكل كين، فيؤدي هنري بوصفه رجلًا يعرف كيف يخفي مصلحته وراء واجهة الاحترام. »
قوتها و کاستیها
فالمصائب العائلية والكوارث والمواجهات الأخلاقية تتوالى بقصد رفع الرهان، لكن تراكمها قد يجعل بعض اللحظات تبدو مبالغًا فيها. حين ينجح هذا الأسلوب، يمنح القصة حرارة واضطرابًا؛ وحين يخفق، يحوّل الألم إلى وسيلة لاستدرار الانفعال بدل أن يترك له مجالًا كي يتكشف بهدوء. أسلوب بريمينغر وعالم الجنوب القوطي ينتمي العمل إلى تقاليد الحكاية الجنوبية القوطية: مكان ريفي يحمل تاريخًا من التفاوت، وعائلات تتشابك فيها السلطة والرغبة والخوف، وأسرار وأزمات تجعل البيت والأرض نفسيهما ساحة صراع.
يتيح هذا الإطار للفيلم أن يمزج الواقعي بالمبالغ فيه، وأن يقدّم جورجيا لا بوصفها خلفية طبيعية فحسب، بل نظامًا اجتماعيًا تحرسه العادات بقدر ما تحرسه القوانين. لكن الأسلوب لا يوازن دائمًا بين الواقعية والميلودراما. فبعض المشاهد تضغط على دلالتها حتى تفقد شيئًا من تلقائيتها، فيما تبدو لحظات أخرى عابرة رغم إمكاناتها الرمزية.
وتظهر محدودية البناء كذلك في أن الشخصيات كثيرًا ما تتواجه في المكان نفسه، بينما لا يواكب التصاعد العاطفي اتساع الأزمة الاجتماعية. كان يمكن للمشهدية أن تجعل الأرض والطقس والبيت عناصر فاعلة في الحكاية، لكنها لا تبلغ هذا المستوى باستمرار. مع ذلك، فإن غرابة الفيلم جزء من جاذبيته. فهو عمل غير مستقر النبرة، تتجاور فيه الرغبة في الموقف السياسي مع الميل إلى الإثارة العائلية، وتتشابك فيه مشاهد محرجة أو مبالغ فيها مع لحظات تكشف بوضوح عن علاقات القوة.
ومن هذه التناقضات تأتي قيمته بوصفه وثيقة عن طموحات هوليوود وحدودها في معالجة العرق والطبقة خلال ستينيات القرن العشرين. جمعبندی «Hurry Sundown» فيلم مزدحم بالأفكار والشخصيات، وفيه نواة درامية قوية عن الأرض والملكية والتحالف بين أناس يفصل بينهم تاريخ من التمييز. كما أن طاقمه يمنحه جاذبية أولية، وتوفر حكايته خليطًا من النزاع العائلي والسياسة المحلية والميلودراما يجعل بعض فتراته مسلية على نحو غير متوقع.
« لكن الأسلوب لا يوازن دائمًا بين الواقعية والميلودراما. »
جمعبندی
غير أن العمل يبدد جانبًا كبيرًا من إمكاناته بسبب ترهّل الإيقاع، وعدم اتساق الأداء، وارتباك النبرة، فضلًا عن تمثيل عرقي يظل محصورًا أحيانًا في صور نمطية رغم طموحه المناهض للعنصرية. لذلك يصعب اعتباره معالجة ناجحة تمامًا لموضوعه، لكنه يظل فيلمًا كاشفًا ومثيرًا للنقاش: عملًا تتجاور فيه النية الجادة مع العثرات الواضحة، وتنبع أهميته بقدر ما من تناقضاته بقدر ما من قصته.
ثبت دیدگاه