نقد و بررسی
نقد Horrors of Malformed Men | 1969
وعده ژانری؛ آنچه اثر وعده میدهد
رؤيا مضطربة بين الرعب والتحقيق يبدأ Horrors of Malformed Men من فرضية تبدو كأنها لغز بوليسي، لكنه سرعان ما يتخلّى عن قواعد التحقيق المألوفة ليقود المشاهد إلى متاهة من الصور والشكوك. يهرب طالب الطب هيروسوكي من مصحّ عقلي، ثم يعثر على رجل ميت يشبهه على نحو يثير الريبة، فينتحل هويته وينجرف إلى جزيرة معزولة يحكمها عالم غريب ومجموعة من الرجال ذوي الأجساد غير المألوفة.
هذه هي نقطة الانطلاق فحسب؛ فالفيلم لا يهتم بتقديم أجوبة سريعة بقدر ما يصنع شعوراً متواصلاً بأن الواقع نفسه قابل للانقلاب. منذ لحظاته الأولى، يزرع العمل أسئلة عن الذاكرة والهوية والجنون. هل هيروسوکی مردّ إلى ماضيه، أم أنه يختلق لنفسه ماضياً كي يهرب من الحاضر؟ وهل التشابه الجسدي بينه وبين مرده حيلة سردية، أم علامة على اضطراب أعمق؟
لا يقدم الفيلم هذه الأسئلة في صيغة تأملية هادئة، بل يتركها معلقة داخل عالم متقلب، حيث تتبدل دلالة المشاهد كلما ظهرت معلومة جديدة. لذلك تبدو الرحلة أقرب إلى حلم غريب منها إلى لغز يُحلّ خطوة بعد خطوة. جزيرة العزلة ومناخ التهديد تُعد الجزيرة قلب الفيلم النابض. إنها مساحة بعيدة عن المجتمع، لكنها ليست ملاذاً من العالم؛ بل مختبر مغلق تتكثف فيه مخاوف السيطرة والتجريب والاختلاف.
تضفي العزلة على المكان طابعاً خانقاً، فيما تمنح الطبيعة المحيطة به جمالاً مريباً: المشهد قد يبدو ساكناً للحظة، ثم يتحول السكون نفسه إلى مصدر للقلق. لا يحتاج الفيلم دائماً إلى حركة سريعة أو تهديد مباشر، إذ يكفي أن يضع شخصياته في مكان تحكمه قواعد لا يعرفها المشاهد كي ينشأ التوتر. تخدم الجزيرة بنية الحكاية أيضاً.
« منذ لحظاته الأولى، يزرع العمل أسئلة عن الذاكرة والهوية والجنون. »
روایت و ریتم؛ جریان داستان
فكلما اقترب هيروسوكي من مركز السلطة فيها، ازدادت الأسئلة بدلاً من أن تتضاءل. الأسرار لا تُكشف على هيئة معلومات مرتبة، بل تظهر على نحو متقطع، كأن المكان نفسه يختار ما يسمح للزائر بمعرفته. ومن هنا تنبع جاذبية الفيلم: لا تقتصر على انتظار ما سيحدث، بل تشمل محاولة فهم طبيعة العالم الذي دخلناه.
هذه الأجواء هي من أقوى عناصره، وهي التي تمنح مشاهده الغريبة ترابطاً شعورياً حتى عندما تبدو الحوادث متنافرة. الجسد بوصفه ساحة للصراع يضع الفيلم الجسد في مركز رؤيته للرعب. فالتشوه والتحوّل والإخضاع ليست مجرد وسائل لإثارة النفور، بل صور متطرفة لسؤال أوسع: من يملك حق تعريف الإنسان، ومن يقرر أي هيئة تُعدّ طبيعية؟
يحوّل العالم الذي يمثله جوغورو هذا السؤال إلى مشروع سلطوي؛ إذ يتعامل مع أجساد الآخرين كما لو كانت مادة قابلة لإعادة التشكيل وفق تصوّره الخاص. وهكذا يصبح الرعب هنا أخلاقياً ونفسياً بقدر ما هو بصري. غير أن الفيلم لا يعالج هذه الأفكار بلغة واقعية أو متزنة تماماً. إنه يندفع نحو المبالغة، ويستثمر غرابة الصورة واستفزازها في صنع أثر مباشر.
قد يجد بعض المشاهدين في ذلك قوةً فنية، لأن الفيلم لا يلطّف رؤيته ولا يعتذر عنها؛ وقد يشعر آخرون بأن الاستعراض البصري يتقدم أحياناً على التأمل. لكن هذا التوتر جزء من طبيعة العمل: فهو يريد أن يثير النفور والفضول في آن، وأن يجعل المتفرج يتساءل إن كان ما يراه تجسيداً لفكرة أم مجرد فورة من الخيال المنفلت.
« فكلما اقترب هيروسوكي من مركز السلطة فيها، ازدادت الأسئلة بدلاً من أن تتضاءل. »
شخصیتها و اجرا
إيقاع متعرّج وبناء متعمّد الإرباك لا يصل الفيلم إلى منطقته الأكثر إثارة بسرعة. فالبداية تستغرق وقتاً في تأسيس هروب هيروسوكي والتباس ذاكرته، وقد يشعر من ينتظر رعباً متصاعداً منذ الدقيقة الأولى بأن الإيقاع بطيء. لكن هذا التمهيد يرسّخ حالة عدم اليقين التي يحتاج إليها العمل لاحقاً؛ فهو يضع المشاهد في موقع قريب من موقع بطله، لا يمتلك معلومات كافية، ولا يعرف ما إذا كان يثق بما يراه أو بمن حوله.
مع ذلك، لا يخلو البناء من تفاوت واضح. بعض المقاطع تبدو أشد حيوية من غيرها، فيما تتراخى أجزاء أخرى أو تتوقف عند صور وأجواء أكثر مما تدفع الحكاية إلى الأمام. لذلك قد يتبدل تفاعل المشاهد معه: مقطع يثير الفضول، وآخر يختبر الصبر، ثم لحظة تعيد تنشيط الانتباه بصورة مفاجئة. هذا التفاوت يضعف تماسك الفيلم أحياناً، لكنه ينسجم أيضاً مع طابعه الحلمي؛ فالحلم لا يسير دائماً بإيقاع منتظم، ولا يشرح انتقالاته كما تفعل الحكاية التقليدية.
الصورة والأداء: غرابة لا تُمحى بسهولة تنبع قوة الفيلم البصرية من ميله إلى تكوين صور تبقى في الذاكرة أكثر مما تبقى تفاصيل الحبكة. لا يعتمد أثره على الرعب الخفي وحده، بل يواجه المتفرج بمشاهد جريئة، وتكوينات غير مألوفة، وانتقالات تتخذ أحياناً نبرة استعراضية. وقد يخلق هذا الأسلوب مسافة بين المشاهد والعمل؛ فبدلاً من أن يندمج تماماً في الخوف، قد يجد نفسه واعياً بجرأة الصورة وبالطريقة التي تُرتّب بها داخل الإطار.
غير أن تلك المسافة نفسها جزء من سحر الفيلم، إذ تمنحه هيئة عرض غرائبي لا تشبه الرعب الواقعي المعتاد. يؤدي Teruo Yoshida دور هيروسوكي بوصفه رجلاً تتآكل ثقته بما يعرفه عن نفسه. وتكمن فاعلية الأداء في إبقاء الشخصية بين التماسك والاضطراب، فلا يتحول البطل إلى مجرد دليل يقودنا بين المفاجآت.
« إيقاع متعرّج وبناء متعمّد الإرباك لا يصل الفيلم إلى منطقته الأكثر إثارة بسرعة. »
فضا و فرم؛ لحن بصری
أما Tatsumi Hijikata فيمنح جوغورو حضوراً جسدياً لافتاً، ينسجم مع شخصية ترى العالم مشروعاً لإرادتها. وبهذا لا يبدو الشر في الجزيرة فكرة مجردة فقط؛ بل يتجسد في هيئة وسلوك يضيفان إلى المكان ثقلهما المقلق. مفاجآت الحكاية ومخاطرة النهاية يعتمد الفيلم على تبدلات مفاجئة في اتجاه السرد، لكن الحديث عن تفاصيلها يفسد جانباً أساسياً من متعته.
والأجدى القول إن تلك المفاجآت لا تُستخدم كلها بالقدر نفسه: بعضها يعيد تشكيل فهمنا لما سبق، وبعضها يضاعف غرابة العالم من دون أن يمنح كل الأسئلة جواباً مريحاً. لهذا قد تكون مشاهدة الفيلم تجربة ممتعة لمن يستسيغ الحكايات التي تجرؤ على الابتعاد عن التوقع، لكنها قد تخيب من يريد بناءً محكماً يربط كل خيط بخاتمة واضحة.
أما النهاية، فوقعها قوي ومقصود أن يظل عالقاً في الذهن، لكنها ليست بالضرورة مُرضية للجميع. فالأثر الصادم لا يساوي دائماً إغلاقاً درامياً متكاملاً، والفيلم يفضّل أن يترك بعض المشاهدين أمام إحساس بالاضطراب على أن يقدم مصالحة سهلة. إنها خاتمة تنسجم مع جرأة العمل، لكنها تكشف أيضاً محدوديته: حين تتقدم الرغبة في الإبهار على الحاجة إلى الحسم، قد يشعر المتفرج بأنه تلقى صورة لا إجابة.
جمع الحكايات في عالم واحد يستند الفيلم إلى عوالم Edogawa Rampo، ويستعير من أدبه حسّ الغرابة والاهتمام بالهويات الملتبسة والأجساد المهددة. وبدلاً من الالتزام بمسار سردي بسيط، يجمع العمل عناصر متعددة في نسيج واحد، كأنه يمرر الحكاية عبر مرآة مشروخة. هذا المزج يفسر شيئاً من تفاوت النبرة، لكنه يمنح الفيلم كذلك طابعه الخاص: إنه لا يبدو اقتباساً يسعى إلى شرح مصدره، بل عالماً سينمائياً يلتقط مزاجاً أدبياً ويحوّله إلى صور.
« أما Tatsumi Hijikata فيمنح جوغورو حضوراً جسدياً لافتاً، ينسجم مع شخصية ترى العالم مشروعاً لإرادتها. »
قوتها و کاستیها
ومن هذا المنظور، لا تكمن قيمة الفيلم في نعومة الصنعة أو إحكام كل تفصيل، بل في جرأته على أن يكون غريباً بالفعل. قد تظهر آثار الاستغلال والإثارة في اختياراته، لكنه يتجاوزها حين يحوّل الغرابة إلى مبدأ جمالي، وحين يجعل المشاهد يتأرجح بين التلذذ بالصور والرغبة في الابتعاد عنها. تلك الازدواجية هي ما يمنحه خصوصيته، وما يجعل وصفه بأنه فيلم رعب تقليدي وصفاً ناقصاً.
جمعبندی Horrors of Malformed Men عمل يراهن على المناخ والصورة والصدمة أكثر من اعتماده على إيقاع متوازن أو حبكة مستقيمة. بدايته المتأنية وبعض مقاطعه المترهلة قد يختبران صبر المشاهد، كما أن خاتمته قد تترك إحساساً بعدم الاكتمال؛ لكن الجزيرة الغامضة، والأفكار المقلقة عن الهوية والجسد، والصور التي تتحدى المألوف تمنحه تجربة يصعب اختزالها في حكاية رعب عادية.
إنه فيلم لمن يقبل أن يضلّ الطريق قليلاً، وأن يخرج من المشاهدة بأسئلة وصور عالقة لا بإجابات مريحة.
« ومن هذا المنظور، لا تكمن قيمة الفيلم في نعومة الصنعة أو إحكام كل تفصيل، بل في جرأته على أن يكون غريباً بالفعل. »
ثبت دیدگاه